Saturday, December 15, 2018


" مصر من الاحتلال البريطاني 1882 م وحتى قيام ثورة 1952 م "


اللورد كرومر:
كان اللورد كرومر الحاكم الحقيقي لمصر، وكان تاريخ مصر إبان هذه الفترة هو تاريخ السياسة التي انتهجها، يؤرخ له أنه كان عظيم الكفاية في الشؤون المالية، فوازن الميزانية المصرية وخفض فوائد الديون العامة، واعتنى بالري والشؤون الإدارية.
عين مستشارين من الإنجليز مسؤولين أمامه في كل وزارة من الوزارة المصرية، كما عين مفتشين من الإنجليز في كل مديرية من مديريات البلاد. ولم يكن رئيس وزراء مصر يعين في مصر إلا بعد استشارته وموافقته.
اضطرت الحكومة المصرية إلى الانصياع لمشورته بالانسحاب من السودان في عهد الخديوي توفيق؛ إثر إخفاق الحملة التي قادها هكس
Hicks (1883) للقضاء على الحركة المهدية، ولكن سرعان ما جرد حملة أعادت احتلال السودان بقيادة كتشنر Kitchener (1896-1898) وتحملت مصر نفقاتها فكان الغرم على مصر والغنم لبريطانيا.
وقف في وجه الدولة العثمانية حينما حاولت تعديل الحدود المصرية من الشرق، إذ عدّ كرومر هذا التعديل تهديداً لقناة السويس.
سحب من الخديوي عباس حلمي الثاني الذي جاء بعد توفيق كل سلطة فعلية، وتجاهل النظام النيابي، وقيّد سلطة مجلس شورى القوانين الذي أحدث إبان الاحتلال البريطاني لمصر بدلاً من الجمعية التشريعية (المجلس النيابي)، وقصر التعليم في المدارس على مهمة تخريج صغار الموظفين في الحكومة المصرية، وكافأته الحكومة الإنجليزية بمنحه لقب «إيرل» عام 1901. ارتكب أكبر خطأ في حياته السياسية حينما أيد الأحكام الصادرة بحق المصريين المتهمين في حادثة دنشواي (يونيو 1906) والبالغ عددهم 52 متهماً والذين نفذت فيهم أحكام تراوحت من الإعدام إلى الجلد.
إثر هذه الحادثة طلب رئيس الوزارة البريطانية من كرومر أن يغير سياسته في مصر أو أن يستقيل، فآثر الاستقالة، وأقيم له حفل وداع في شهر أيار من سنة 1907 بدار الأوبرا المصرية من قبل الحكومة في مصر، تمّ فيها تبادل الخطب والثناء بين الحكومة وكرومر نفسه، الذي ألقى كلمته الأولى بالفرنسية وكانت قصيرة والأخرى بالإنكليزية تحدث فيها عن رقي مصر الأدبي والمادي وتقدم التعليم فيها، وفي ثنايا الكلمة هاجم المجلس النيابي ودعا أصحاب الثياب (الجلاليب) الزرقاء (الفلاحين) إلى العمل من أجل تقدم بلادهم. عينته الحكومة الإنجليزية سنة 1917 رئيساً للّجنة التي ألفتها لبحث أسباب إخفاق حملة الدردنيل في أثناء الحرب العالمية الأولى، لكنه مات في العام نفسه قبل أن تنجز اللجنة عملها.


حادثة دانشوي:


هو اسم لواقعة حدثت العام 1906 في بلدة دنشواي في الريف المصري. صدرت أوامر الحكومة في مصر لعمد بعض البلاد بمساعدة فرقة تابعة للاستعمار البريطاني آنذاك مكونة من خمسة جنود ممن كانوا يرغبون في صيد الحمام ببلدة (دنشواى) المشهورة بكثرة حمامها كما اعتادوا، ولسوء الحظ كان الحمام عند أجران الغلال يلتقط الحب ولم يكن منتشرا على السكة الزراعية بعيدا عن مساكن الأهالي.
وما يأُخذ من مجموع أقوال متعددة المصادر أن مؤذن البلدة جاء يصيح بهم كي لا يحترق التبن في جرنه، ولكن أحد الضباط لم يفهم منه ما يقول وأطلق عياره فأخطاء الهدف وأصاب زوجة شقيق ذلك الرجل. واشتعلت النار في التبن، فهجم الرجل على الضابط وأخذ يجذب البندقية وهو يستغيث بأهل البلد صارخا’ الخواجة قتل المرأة وحرق الجرن، الخواجة قتل المرأة وحرق الجرن ‘فأقبل الأطفال والنسوة والرجال صائحين’ قتلت المرأة وحرقت الجرن، فهرع بقية الضباط الإنجليز لإنقاذ صاحبهم. وفى هذا الوقت وصل الخفراء للنجدة كما قضت أوامرهم، فتوهم الضباط على النقيض بأنهم سيفتك بهم فاطلقوا عليهم الأعيرة النارية وأصابوا بعضهم فصاح الجمع قتل شيخ الخفر وحملوا على الضباط بالطوب والعصى فقبض عليهم الخفراء وأخذوا منهم الأسلحة إلا اثنان منهم وهم كابتن الفرقة وطبيبها أخذا يعدوان تاركان ميدان الواقعة وقطعا نحو ثمانية كيلومترات في الحر الشديد حتى وصلوا إلى بلدة سرنا فوقع الكابتن مطروحا على الأرض -ومات بعد ذلك- فتركه الطبيب وأخذ يعدو حتى وصل إلى المعسكر وصاح بالعساكر فركضوا حتى الكابتن فوجدوه وحوله بعض الأهالي، فلما رأوهم الأهالي فروا فاقتفوا العساكر أثرهم وقبضوا عليهم إلا أحدهم هرب قبل أن يشد وثاقه واختبأ في فجوة طاحونة تحت الأرض فقتله الإنجليز شر قتلة.
المحاكمة
كان رد الفعل البريطاني قاسيًا جداَ وسريعًا فقد قدم 92 قرويًا للمحاكمة بجريمة القتل المتعمد وتم اثبات التهمة على 36 منهم في 17يونيو 1908 وتفاوتت الأحكام فيما بينهم وكانت معظم الأحكام بالجلد والبعض حكم عليه بالأشغال الشاقة وتم اعدام 4 قرويين منهم ترأس القضاة بطرس غالي وأحمد فتحي زغلول باشا، الأخ الأصغر للزعيم المصري سعد زغلول والذي كان في أثناء المحاكمة في فرنسا لدراسة القانون الفرنسي وقد قاطعه أخوه سعد زغلول بسبب ترأسه لتلك المحكمة وكان مدعي النيابة "إبراهيم الهلباوى باشا". وكان اللورد كرومر هو الحاكم الإنجليزي في مصر في ذلك الوقت وقد تم خلع اللورد كرومر عقب هذه الحادثة وقد تم اغتيال بطرس غالي بعد ذلك علي يد إبراهيم الورداني.
وبالفعل، نجح الهلباوى ليس فقط في تبرئة جنود الاحتلال الإنجليزي من قتل "أم صابر" وحرق أجران القمح في قرية دنشواى، وإنما نجح أيضا في إثبات أن الإنجليز هم الضحايا، وأن أهالي دنشواى هم المذنبون. ووفقا لما نشرته جريدة "الأهرام"، قال إبراهيم الهلباوى أمام محكمة دنشواى: (الاحتلال الإنكليزي لمصر حرر المواطن المصري وجعله يترقى ويعرف مبادئ الواجبات الاجتماعية والحقوق المدنية!!). وقال أيضا: (هؤلاء الضباط الإنكليز، كانوا يصيدون الحمام في دنشواى، ليس طمعا في لحم أو دجاج، ولو فعل الجيش الإنكليزي ذلك لكنت خجلا من أن أقف الآن أدافع عنهم!!). وقال الهلباوى أيضا: (هؤلاء السفلة، وأدنياء النفوس من أهالي دنشواى، قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنكليز بالعصى والنبابيت، وأساءوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى على الإنكليز بيننا خمسة وعشرون عاما، ونحن معهم في إخلاص واستقامة!!).
أحس الهلباوي بعد هذا بسقطته، وقرر أن يدافع هذه المرة عن الورداني نفسه. ونقلا عن مذكرات إبراهيم الهلباوى التي أصدرتها الهيئة العامة للكتاب عام 1995 وقف الهلباوى في المحكمة يقول نصا: (المصريون كلهم كرهوا محاكمة دنشواى، واحتقروا كل من شارك فيها ودافع عن المحتلين الإنكليز. ولست هنا في مقام التوجع ولا الدفاع عن نفسي. ومع ذلك أستطيع أن أؤكد أن الشعب المصري يحتقر كل من يدافع عن المحتلين أو يأخذ صفهم أو يبرر جرائمهم. وأؤكد أيضا أن مواطنينا لم يقدروا الظروف التي دفعتني أنا وغيرى إلى ذلك. لهذا جئت للدفاع عن الورداني الذي قتل القاضي الذي حكم على أهالي دنشواى بالإعدام. جئت نادما استغفر مواطنينا عما وقعت فيه من أخطاء شنيعة. اللهم إني استغفارك وأستغفر مواطنينا!!)

 ثورة 1919:

 كانت سلسلة من الاحتجاجات الشعبية على السياسة البريطانية في مصر عقب الحرب العالمية الأولى، بقيادة الوفد المصري الذي كان يرأسه سعد زغلول ومجموعة كبيرة من السياسيين المصريين، كنتيجة لتذمر الشعب المصري من الاحتلال الإنجليزي وتغلغله في شؤون الدولة بالإضافة إلى إلغاء الدستور وفرض الحماية وإعلان الأحكام العرفية وطغيان المصالح الأجنبية على الاقتصاد. بدأت أحداث الثورة في صباح يوم الأحد 9 مارس 1919، بقيام الطلبة بمظاهرات واحتجاجات في أرجاء القاهرة والأسكندرية والمدن الإقليمية. تصدت القوات البريطانية للمتظاهرين بإطلاق الرصاص عليهم، مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. استمرت أحداث الثورة إلى شهر أغسطس وتجددت في أكتوبر ونوفمبر، لكن وقائعها السياسية لم تنقطع واستمرت إلى عام 1922، وبدأت نتائجها الحقيقية تتبلور عام 1923 بإعلان الدستور والبرلمان.
كان لتأليف الوفد المصري المنوط به السفر إلى مؤتمر باريس للسلام، لمناقشة القضية المصرية بعد انتصار الحلفاء، أثره الكبير كمقدمة أدت إلى اشتعال الثورة. فقد اعتقلت بريطانيا سعد زغلول وثلاثة من زملائه لتشكيلهم الوفد ونفتهم إلى جزيرة مالطا، الأمر الذي أدى إلى بداية الاحتجاجات في مارس 1919. انطلقت تظاهرات في العديد من المدن والأقاليم المصرية وكانت القاهرة والإسكندرية وطنطا من أكثر تلك المدن اضطرابًا، الأمر الذي أدى السلطات البريطانية إلى الافراج عن سعد زغلول وزملائه، والسماح لهم بالسفر لباريس. وصل الوفد المصري إلى باريس في 18 إبريل، وأُعلنت شروط الصلح التي قررها الحُلفاء، مؤيدة للحماية التي فرضتها إنجلترا على مصر.
أُوفِدت لجنة ملنر، للوقوف على أسباب هذه التظاهرات. وصلت اللجنة، في 7 ديسمبر وغادرت في 6 مارس 1920. دعا اللورد ملنر الوفد المصري في باريس للمجيء إلى لندن للتفاوض مع اللجنة، وأسفرت المفاوضات عن مشروع للمعاهدة بين مصر وإنجلترا ورفض الوفد المشروع وتوقفت المفاوضات. استؤنفت المفاوضات مرة أخرى، وقدمت لجنة ملنر مشروعاً آخر، فانتهى الأمر بالوفد إلى عرض المشروع على الرأي العام المصري. قابل الوفد اللورد ملنر وقدموا له تحفظات المصريين على المُعاهدة، فرفض ملنر المناقشة حول هذه التحفظات، فغادر الوفد لندن في نوفمبر 1920 ووصل إلى باريس، دون أي نتيجة.
دعت بريطانيا المصريين إلى الدخول في مفاوضات لإيجاد علاقة مرضية مع مصر غير الحماية، فمضت وزارة عدلي بمهمة المفاوضات، ولم تنجح المفاوضات بعض رفضها لمشروع المُعاهدة، فنشر سعد زغلول نداءً إلى المصريين دعاهم إلى مواصلة التحرك ضد الاحتلال البريطاني فاعتقلته السلطة العسكرية هو وزملائه، ونفي بعد ذلك إلى سيشيل.
حققت الثورة مطالبها، ففي 28 فبراير ألغت بريطانيا الحماية المفروضة على مصر منذ 1914. وفي 1923، صدر الدستور المصري وقانون الانتخابات وألغيت الأحكام العرفية. لم تستطع الثورة تحقيق الاستقلال التام، فقد ظلت القوات البريطانية متواجدة في مصر.
الغاء الحماية البريطانية على مصر:

وصدرت توصيات لجنة ملنر برفع الحماية عن مصر والتفاوض على استقلال مصر بمعاهدة تحمي مصالح بريطانيا في مصر.
ولكن الإنجليز فشلوا في التوصل إلى صيغة معاهدة مع الحكومة المصرية، لأن عدلي يكن كان يخشى أن يقبل بما يرفضه سعد زغلول فيظهر بمظهر المتهاون في حقوق الاستقلال أمام الشعب. لذلك قام الإنجليز بالقبض علي سعد زغلول ونفوه إلى جزيرة سيشل. وعمت الإضرابات مرة أخري.
قبلت الحكومة البريطانية آراء اللنبي، وقدم البريطانيون مزيد من التنازلات فكان تصريح 28 فبراير 1922م وإعلان استقلال مصر، وهو لم يكن علي شكل معاهدة لأنه لم يوجد في مصر من وافق على التوقيع على معاهدة معهم. وإنما جاء على شكل تصريح، وينص التصريح علي:
إلغاء الحماية البريطانية على مصر والاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة
إلغاء الأحكام العرفية
تهيئة البلاد لحياة دستورية برلمانية عن طريق وضع دستور للبلاد وانتخاب أعضاء برلمان مزدوج (اي بمجلسين).
ولكن مع تحفظات أربعة:
تأمين المواصلات البريطانية في مصر
الدفاع عن مصر ضد أي هجوم عليها
حماية المصالح الأجنبية وحماية الأقليات
السودان تستمر أوضاعه على ما كانت عليه
ولقد رأي بعض الوطنيين أن هذا التصريح ما هو إلا استقلال مظهري لا يرقي إلى الاستقلال الذي يطمح إليه الشعب، في حين رأي البعض الآخر ومنهم عبد الخالق ثروت أن التصريح خطوة على طريق الاستقلال الكامل.
اول دستور لمصر 1923: هو دستور بدء العمل به في مصر الملكية في الفترة ما بين 1923 وحتى 1953. عقب صدور تصريح 28 فبراير 1922 الذي اعترف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة، تم وضع دستور جديد للبلاد صدر في 19 أبريل عام 1923 ليحل محل القانون النظامي نمرة 29 لسنة 1913، ووضعته لجنة مكونة من ثلاثين عضو ضمت ممثلين للأحزاب السياسية والزعامات الشعبية وقادة الحركة الوطنية وقد زعم تلك اللجنة عبد الخالق ثروت.
ينص ذاك الدستور على أن حكومة مصر "ملكية وراثية وشكلها نيابية".
ظل دستور 1923 معمولا به منذ صدوره وحتى تم إلغاءه في الثاني والعشرين من أكتوبر عام 1930 وصدور دستور جديد للبلاد عرف بدستور 1930 واستمر العمل به لمدة خمس سنوات كانت بمثابة نكسة للحياة الديمقراطية، وقد أدى قيام الشعب بالعديد من المظاهرات إلى أن تم إلغاء هذا الأخير بموجب الأمر الملكي من الملك فؤاد الأول رقم 142 لسنة 1935 في 19 ديسمبر، 1935 وهو الأمر الذي قضى بإعادة العمل بدستور عام 1923.


معاهد 1936 :

هي معاهدة وقعت في 26 أغسطس 1936 بين بريطانيا ومصر في لندن، وقد جاءت المعاهدة بعد اصدر بيان الحكومة بوفاة الملك فؤاد وارتقاء ابنه الملك فاروق العرش تم تعيين مجلس وصاية نظرا لصغر سنه ثم شكل حزب الوفد الوزارة نظرا لفوزه في الانتخابات البرلمانية وطالب بإجراء مفاوضات مع بريطانيا بشأن التحفظات الأربعة، ولكن الحكومة البريطانية تهربت فقامت الثورات وتألفت جبهة وطنية لإعادة دستور 1923 بدلا من دستور 1930 ولذلك اضطرت بريطانيا للتراجع واضطرت للدخول في مفاوضات بقيادة السير مايلز لامبسون المندوب السامي البريطاني ومعاونيه وهيئة المفاوضات المصرية، ولقد اشترطت إنجلترا أن تكون المفاوضات مع كل الأحزاب حتى تضمن موافقة جميع الأحزاب وبالفعل شاركت كل الأحزاب عدا الحزب الوطني الذي رفع شعار (لا مفاوضة إلا بعد الجلاء). وبدأت المفاوضات في القاهرة في قصر الزعفران في 2مارس وانتهت بوضع معاهدة 26 أغسطس 1936 في لندن.

حصار الانجليز لقصر عابدين 1942:

وجد الإنجليز أن فاروق يجب أن يرحل لأنه يصعد حالة العداء في مصر ضدهم، ويمنع تعاون الوزارة مع الإنجليز في الحرب، ويعلن على الملأ أنه يعد مصر لاستقبال دول المحور المنتصرة. كما أراد الإنجليز رئيس وزراء قوي له شعبية يسيطر على الأمور في مصر التي بدأت تنذر بخطورة واضحة نتيجة تأييد الشارع لدول المحور، وهو ما لم يكن متوفراً إلا في مصطفي النحاس وحزب الوفد.
تعنت الملك في قبول طلب الإنجليز بتشكيل مصطفي النحاس للوزارة، لأنه رأي أنه يمكن أن يستفيد من الموقف لزيادة شعبيته فيظهر أمام الشعب بمظهر المناوئ للإنجليز ويظهر الوفد بمظهر موال للإنجليز.
وبالفعل في صباح يوم 4 فبراير 1942 م تم توجيه انذار للملك من المندوب السامي البريطاني سير مايلز لامبسون ” إما القبول بتشكيل النحاس للوزارة أو التنازل عن العرش.
تأخر رد الملك، فحضر في مساء ذلك اليوم السفير البريطاني لامبسون Lampson بصحبة الجنرال ستون وبعض الضباط المسلحين إلى القصر، وأخذت المدرعات والمصفحات مكانها حول القصر وعلى متنها 2250 جندياً بريطانياً.
دخل لامبسون والجنرال ستون إلى غرفة الملك وكان معه أحمد حسنين، وبدأ الحديث بين الطرفين، وبيٌن لامبسون لفاروق أن رده على رسالته الصباحية قد تأخر. حاول فاروق أن يدخل في جدال ولكن لامبسون أوقفه وسرد عليه جميع أفعاله المضادة للإنجليز، وانتهي إلى القول ” وكل هذا يبين بوضوح، عدم صلاحية جلالتكم أكثر من ذلك للبقاء على العرش” وسلٌمه وثيقة التنازل عن العرش. وكان موقفاً صعباً، وصمت فاروق، وبدفعة من أحمد حسنين، طلب فرصة حتى يحقق الطلب الإنجليزي وتحقق وتم تشكيل وزارة النحاس.
حرب فلسطين 1948:

بعد الحرب العالمية الثانية بدأ اليهود بالهجرة بصورة مكثفة إلى فلسطين بتشجيع من الولايات المتحدة وبريطانيا وذلك لزيادة حجم اليهود على أرض فلسطين، استعدادا لقرار التقسيم الذي ستصدره الأمم المتحدة.
لم تكن الدول العربية على دراية بما يحدث حولها وكانوا مُندهشين من تشجيع الأمريكان والسوفييت لهجرة اليهود إلى فلسطين. واتفق بعض القادة العرب أيضاً مع الغرب والإسرائيليين من أجل الحصول على مصالح شخصية لأنفسهم. وقبل الحرب، لم تكن مصر ولا الدول العربية مستعدة عسكرياً لها.
اندلعت الحرب عندما قامت خمس دول عربية بـ غزو الأراضي الفلسطينية التي كانت واقعة تحت الانتداب البريطاني في السابق وقامت الدول العربية بالهجوم بعد إعلان تأسيس دولة إسرائيل في 14 مايو1948
 في عام 1947، ومرة أخرى في 14 مايو 1948، الولايات المتحدة الأمريكية كانت قد عرضت الاعتراف بالحكومة الإسرائيلية المؤقتة، ولكن خلال الحرب، أعلنت الولايات المتحدة أنها قامت بـ حظر الاسلحة ضد كل المتحاربين (ولكن لم يكن ذلك صحيحاً).
في 29 نوفمبر عام 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181 (المعروف أيضاً باسم قرار التقسيم) ونتج عن هذا القرار تقسيم الأراضي الفلسطينية التي كانت تحت حكم بريطانيا العظمى إلى دولتين (دولة يهودية ودولة عربية) في مايو 1948.وينص القرار على وضع المنطقة ذات الأهمية الدينية المحيطة بالقدس تحت رقابة دولية ويتم حكمها من جانب الأمم المتحدة.
رفض العرب والفلسطينيين هذا القرار، الذي اعتبروه منحاز لليهود وغير عادل للسكان العرب الذين سيبقون في الأراضي اليهودية بشكل منعزل عن اخوتهم.
قدمت الولايات المتحدة حلاً آخر وهو دعم قرار الأمم المتحدة، ولكن أيضاً تشجيع المفاوضات بين العرب واليهود في الشرق الأوسط.
قرار الأمم المتحدة أشعل الصراع بين الجماعات اليهودية والعربية في فلسطين. وبدأ القتال بـ الهجمات التي تشنها المجموعات غير النظامية من العرب الفلسطينيين التابعة لـ الوحدات المحلية لـ جيش التحرير العربي الذي يتكون من المتطوعين من فلسطين والدول العربية المجاورة.
أطلقت هذه الجماعات هجماتها ضد المدن الصهيونية والمستوطنات والقوات الإسرائيلية
كان هدف العرب في البداية منع قرار التقسيم ومنع قيام الدولة الصهيونية. أما الصهاينة، على الجانب الآخر كانوا يأملون في السيطرة على الأراضي المخصصة لهم بموجب قرار التقسيم
بعد أن أعلنت إسرائيل إنشاء دولتها في 14 مايو عام 1948، اشتد القتال مع قوات عربية أخرى انضمت إلى العرب الفلسطينيين في مهاجمة الأراضي الفلسطينية التي كانت واقعة تحت الانتداب البريطاني سابقاً.
وفي عشية يوم 14 مايو، أطلق العرب غارة جوية على تل أبيب، وصد الإسرائيليين هذا الهجوم. وبعد هذه الغارة بدأ غزو الأراضي الفلسطينية السابقة من جانب الجيوش العربية من لبنان وسوريا والعراق، ومصرو أرسلت المملكة العربية السعودية تشكيلة عسكرية حاربت تحت القيادة المصرية.
قامت القوات البريطانية المُدرَّبة والموجودة في شرق الأردن بالتدخل في الصراع، ولكن فقط في المناطق التي تم تحديدها كـ جزء من الدولة العربية بموجب خطة تقسيم الأمم المتحدة والكيان المنفصل لـ القدس.

بعد القتال المتوتر في البداية، استطاعت القوات الإسرائيلية، تحت القيادة المشتركة، السيطرة على الهجوم. وعلى الرغم من توسط الامم المتحدة لـ إثنين من اتفاقيات وقف إطلاق النار أثناء النزاع، لكن القتال استمر في عام 1949
إسرائيل والدول العربية لم يصلوا إلى أي اتفاقات هدنة رسمية حتى شهر فبراير. وبموجب اتفاقيات منفصلة بين إسرائيل والدول المجاورة مصر ولبنان والأردن، وسوريا، وافقت هذه الدول المجاورة على خطوط هدنة رسمية. سيطرت إسرائيل على بعض الأراضي الممنوحة سابقاً لعرب فلسطين تحت قرار الأمم المتحدة في عام .1947 ,مصر والأردن احتفظتا بالسيطرة على قطاع غزة والضفة الغربية على التوالي. وظلت خطوط الهدنة هذه على هذا الحال حتى عام 1967
.
الولايات المتحدة لم تتدخل بشكل مباشر في مفاوضات الهدنة، ولكنها قالت إنها تأمل ألا تؤثر حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط على توازن القوى الدولي بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
كانت أهم أسباب الهزيمة في الحرب هي:
مساندة الولايات المتحدة و بريطانيا و فرنسا لليهود في الحصول على وطن قومي لهم على أرض فلسطين، و ذلك عن طريق تشجيع هجرتهم بشكل كبير إلى فلسطين، و إمدادهم بالأسلحة و الذخيرة و منعها عن العرب، و تدريبهم للصهاينة على القتال و التخطيط العسكري.
عدم وجود استراتيجية واضحة لدى العرب و عدم إدراكهم لأبعاد المؤامرة التي تم تدبيرها للسيطرة على أرض فلسطين و عدم وجود أجهزة عسكرية ومخابراتية قوية لدى العرب.
تحالف ملك الأردن مع بريطانيا و اليهود من أجل يوَّسِّع مملكته على حساب فلسطين و قيامه بعمل اتفاق سري معهم دون علم العرب و بما أنه كان قائد الجيوش العربية في فلسطين فإن الهزيمة أصبحت واضحة الأسباب، حيث يُقال أنه أمر جنوده بالانسحاب من مواقع القتال أثناء الحرب بالاتفاق مع العدو (بحجة عدم كفاية الذخيرة).
فارق الخبرة العسكرية بين الجيوش العربية و الإسرائيليين، فمثلاً كانت اخر حرب قام بها الجيش المصري سنة 1839 م بقيادة إبراهيم باشا. ولكن الهاجاناه الإسرائيليين كانوا قد شاركوا في فيلق اليهود في الحرب العالمية الأولى والثانية وفي الإطاحة بحكومة فيشي من سوريا.
 5 عدم قدرة فرق المقاومة الفلسطينية المُسانِدة للجيش المصري على التصدي لـ الهاجاناه (الجيش الإسرائيلي).
 6 استخدام الجيش المصري لأسلحة فاسدة في الحرب من مخلفات الحرب العالمية الثانية، حيث اعتمدت مصر على سماسرة السلاح في شراء أسلحة الجيش، و كانت اللجنة التي تشتري السلاح ليس عليها قيود، مما أدى إلى فساد في أسعار السلاح و جودته، حيث تم شرائه من مخازن سلاح أنطاليا، و هي من مخلفات الحرب العالمية الثانية.


ثورة 1952 وعزل فاروق:

كانت هزيمة فلسطين هي الصخرة التي تحطم عليها الكيان الملكي في نظر الجيش، فحينما عاد الضباط من الحرب مهزومين ومقهورين، تحولوا إلى خلايا نشطة ذات طابع تنظيمي، لأنهم رأوا أن فاروقا هو السبب وراء هزيمة العسكرية المصرية، سواء بالقيادات الفاشلة التي تجهل أساليب الحرب، أو بقلة الإمداد والتموين أو بالأسلحة والذخيرة الفاسدة. وفي خضم التنظيمات السرية التي تكونت في الجيش تكونت الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار في سبتمبر 1949م برئاسة البكباشي جمال عبد الناصر. وكانت المنشورات هي سلاح التنظيمات ضد الملك. وحاول البوليس السياسي معرفة اسماء الضباط الذين يقفون وراء هذا التنظيم، ولكنهم لم يفلحوا.
وتمثلت المعركة الكبرى بين الملك وقيادة الجيش الموالية له من ناحية والضباط الأحرار من ناحية أخري في انتخابات نادي الضباط في أواخر عام 1951م. فكان مرشح الملك لرئاسة مجلس إدارة النادي حسين سري عامر صاحب السمعة السيئة وصاحب الاتهامات الخطيرة التي شملت تهريب المخدرات وبيع الأراضي بطرق غير مشروعة وسرقة ونهب البدو والرشوة والتزوير وشراء الأسلحة الفاسدة وتهريب معدات البترول والأسلحة لإسرائيل. أما مرشح الضباط الأحرار فكان محمد نجيب وهو صاحب السمعة الطيبة والبطولات في حرب فلسطين والمواقف الرافضة لتسلط الملك علي الجبس.
لما علم فاروق بالاتجاه السائد رأي تأجيل الانتخابات التي كان مقرر إقامتها في 31 ديسمبر 1951م. ولكن الضباط لم يمتثلوا لرغبة الملك، بل إنهم أيضاً استبعدوا مرشح الملك حسين سري عامر علي اعتبار أن سلاح الحدود الذي كان يرأسه لا يعد فرعاً في الجيش. وأقيمت الانتخابات وفاز محمد نجبيب برئاسة مجلس إدارة نادي الضباط، كما فاز خمسة من الضباط الأحرار في عضوية المجلس.
وحدثت محاولة اغتيال حسين سري عامر في 8 يناير 1952 م اشترك فيها عبد الناصر وحسن ابراهيم وكمال الدين حسين وحسن التهامي. مما أثار فزع الملك فاروق وتحرك الحرس الحديدي للملك وقام باغتيال عبد الحميد طه في 25 مارس 1952 الساعد الأيمن لمصطفي كمال صدقي المتهم في محاولة اغتيال حسين سري عامر.
واصل فاروق عناده ورفض تعيين محمد نجيب وزيراً للحربية لتهدئة الأوضاع في الجيش ومهادنة الضباط الأحرار، بل إنه قام بحل مجلس إدارة نادي الضباط ومنع دخول الضباط النادي القوة، كما ظل يتحين الفرصة لتعيين حسين سري عامر وزيراً للحربية.
توصل البوليس السياسي لبعض أسماء أعضاء الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار وأصبح فاروق علي وشك التخلص منهم وتعيين حسين سري عامر وزيراً للحربية ليسحق تمردهم، مما دعي التنظيم للتبكير بموعد القيام بالتحرك العسكري ليكون يوم 23 يوليه 1952م.
حاول نجيب الهلالي تطهير القصر من حاشية الملك الفاسدة التي تكاد تطيح بعرشه، ولكن رجال الحاشية تآمروا ضده وقلبوا فاروق ضد رئيس وزرائه فاستقال في 28 يونية 1952 بعد أن استمرت وزارته أربعة أشهر فقط.
تشكلت وزارة حسين سري في 2 يوليه ولم تمض أكثر من 20 يوماً في الحكم واستقالت في 22 يوليه، وكلف الملك نجيب الهلالي مرة اخري بتشكيل الوزارة التي استمرت يوم واحد ثم تحرك ضباط الجيش صباح اليوم التالي للاستيلاء على الحكم.
في مساء 22 يوليه 1952 أقام الملك فاروق حفلاً ساهراً في قصر المنتزه بالإسكندرية احتفالاً بإسماعيل شرين زوج اخته الذي تولي وزارة الحربية والبحرية. كان فاروق مطمئناً أن وزارة نجيب الهلالي ستعيد الاستقرار للبلاد، وأن اسماعيل شرين سيسحق تمرد الضباط في الجيش.
وفي أثناء الحفلة دخل الشماشرجي محمد حسن ليبلغ الملك أن الضباط الأحرار استولوا علي مقر قيادة الجيش في القاهرة.
نجح الضباط الأحرار في دخول مقر قيادة الجيش في القاهرة في مساء يوم 22 يوليه، وتولي الإخوان المسلمون مسئولية حماية الأماكن العامة وطرق القناة حيث تتمركز القوات البريطانية. وقامت كردونات الجيش الموالية للضباط الأحرار بمحاصرة قصر المنتزه حيث يتواجد الملك ولكنها لم تحاول دخوله

بعد الاستيلاء علي مقر قيادة الجيش، كانت خطة الضباط تقضي بإذاعة بيان الضباط في الإذاعة المصرية صباح يوم 23 يوليه. وعندما علم فاروق بأمر البيان أمر كريم ثابت بمنع إذاعة البيان وتفكيك المحطة في الحال، ولكن الضباط الأحرار كانوا أسرع فهددوا القائمين على المحطة بالسلاح، وبالفعل ألقي أنور السادات بيان الضباط في الإذاعة في السابعة والنصف صباحاً باسم محمد نجيب الذي أعلن نفسه قائداً عاماً للقوات المسلحة. لم يتعرض البيان للملك فاروق وإنما تحدث عن الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم وهزيمة فلسطين والخيانة، وبين دور الجيش وهدفه، وطالب بالتزام الهدوء والسكينة، وطمأن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم.
كان الضباط الأحرار يخشون من تدخل القوات البريطانية لصالح الملك كما حدث إبان الثورة العرابية عندما تدخلت بريطانيا لحماية الخديوي توفيق ضد الجيش المصري بقيادة عرابي، وكما تدخلت القوات البريطانية في حادثة فبراير 1942م. لذلك عمد الضباط إلى توصيل الرسائل إلى القائم بالأعمال البريطاني والسفير الأمريكي تفيد بأن هذه حركة داخلية في الجيش تهدف إلى تطهير الجيش من الفساد، وأن الضباط يتعهدون بضمان أمن وسلامة الرعايا الأجانب.
وعلى ذلك عندما انعقد مجلس الوزراء البريطاني لمناقشة الأمر أتُفق على أنه ليس من مصلحة بريطانيا التدخل لصالح الملك فاروق ضد الجيش المصري بعد أن فقد الملك كل أهلية لقيادة البلاد، وأن بريطانيا لن تتحرك إلا في حالة انتماء حركة الضباط الأحرار للشيوعية وللاتحاد السوفيتي.
وقع اختيار الضباط الأحرار علي ماهر ليكون رئيس الوزراء الجديد بدلاً من نجيب الهلالي، وذلك ليعطي الأمان للملك وفي نفس الوقت لعلاقته الطيبة بمحمد نجيب، وتولي علي ماهر توصيل مطالب الضباط للملك.
كانت مطالب الضباط للملك سطحية وفقاً للخطة لتعطي الأمان للملك حتى لا يفكر في طلب التدخل العسكري من القوات الإنجليزية لصالحه. كانت المطالب هي: تعيين محمد نجيب قائداً عاماً للقوات المسلحة بعد إعطائه السلطة لإحالة ستة وخمسين من كبار الضباط الذين اعتقلتهم الحركة للمعاش، وحل الحرس الملكي، وفصل أفراد الحاشية بوللي ومحمد حلمي حسين ومحمد حسن ويوسف رشاد وحسن عاكف وكريم ثابت وأندراوس.
رفض الملك فاروق التخلي عن أفراد حاشيته السبعة وتمسك بهم إلي أقصي درجة ولكنه وافق في النهاية بعد ضغوط كثيرة من علي ماهر وأخته فوزية وزوجها اسماعيل شرين.
انتقل الضباط الأحرار بعد ذلك لتنفيذ المرحلة الأخيرة من خطتهم وهي عزل فاروق وتولية أحمد فؤاد تحت مجلس وصاية. وكان فاروق قد انتقل بأسرته وحاشيته إلى قصر رأس التين حيث وسائل الدفاع والتحصينات أفضل وحيث يرسو يخت المحروسة لمغادرة البلاد إن استدعي الأمر.
أحكم الضباط الأحرار سيطرتهم على الاسكندرية وانتقل محمد نجيب مع ستة من الضباط إلى الإسكندرية مساء يوم 25 يوليه لوضع خطة عزل فاروق وتنفيذها.
كان هناك اتجاهان لدي الضباط، اتجاه لمحاكمة فاروق والحكم بإعدامه، والاتجاه الآخر نفيه خارج البلاد.
وكان محمد نجيب وأنور السادات ويوسف صديق يعارضون استخدام العنف، وأرسلوا جمال سالم إلي القاهرة لاستطلاع رأي جمال عبد الناصر فرد عليهم ” ليذهب فاروق إلي المنفي، ويُترك للتاريخ الحكم عليه".
 وما أن أشرقت شمس يوم 26 يوليه، حتى كانت الإسكندرية قد تحولت إلى ثكنة عسكرية فحاصر الجيش القصور الملكية رأس التين والمنتزه في الاسكندرية وعابدين والقبة في القاهرة. وحلقت الطائرات العسكرية وصوبت المدافع تجاه رأس التين. وتوجه محمد نجيب وأنور السادات وجمال سالم لعلي ماهر بإنذار الجيش للملك والذي يقضي بتنازله عن العرش لابنه ومغادرة مصر قبل السادسة من مساء اليوم.
حمل علي ماهر الإنذار وذهب لمقابلة الملك في رأس التين، واستطاع اقناع فاروق بالتخلي عن العرش مذكراً إياه أن الشعب لن ينحاز لصفه وأن المصلحة الشخصية في تولي أحمد فؤاد العرش تقضي بعدم المقاومة والموافقة على التنازل والخروج من مصر.
طلب فاروق الخروج من مصر بحراً على يخته المحروسة واصطحاب زوجته وولي عهده وبناته، وطلب أن تحفظ كرامته في وثيقة التنازل، فوعده علي ماهر أن تكون مثل وثيقة تنازل ملك بلجيكا عن العرش، وتولي كتابة الوثيقة القانوني الشهير عبد الرزاق السنهوري.
انتقل سليمان حافظ المكلف بتوقيع وثيقة التنازل عن العرش إلى قصر رأس التين وسلمها للملك الذي قرأها أكثر من مرة وحاول التظاهر بالهدوء، ثم قام بالتوقيع عليها.
ارتدي فاروق السترة البحرية واعدت الحقائب التي بلغت مائة وخمسين حقيبة، وتهيأ الملك للرحيل. وحضر إلى القصر علي ماهر وكافري السفير الأمريكي وقاما بتوديع الملك الذي بدا عليه الحزن والتأثر.
غادر الملك قصر رأس التين وعزفت الموسيقي السلام الوطني، وحلقت أربع طائرات نفاثة مشاركة في التحية، وأطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة، وأدي حرس الشرف التحية العسكرية، وصافح فاروق علي ماهر الذي لم فاضت عيناه بالدموع فهو الذي رافق الملك منذ قدومه من إيطاليا لتولي حكم مصر سنة 1936م. وركب فاروق زورقاً بخارياً ليقلله إلى يخته المحروسة الراسي في الميناء الخارجي.
حضر محمد نجيب متأخراً، واستقل زورقاً آخر إلي يخت المحروسة، وأدي التحية العسكرية للملك السابق. وكان بصحبته أحمد شوقي وجمال سالم وحسين الشافعي وإسماعيل فريد.
استمر اللقاء الصعب ثلث الساعة وقال الملك لمحمد نجيب أن مهمته صعبة للغاية لأنه ليس من السهل حكم مصر. والطريف أن الملك لاحظ أن جمال سالم يحمل عصاه فأمره بإلقائها، وحين أظهر جمال سالم شيئاً من الامتعاض، أمره القائد الأعلى فانصاع.
رحلت المحروسة مع غروب شمس ذلك اليوم ورحل معها ملك مصر فاروق الأول والأخير بعد أن استمر حكمه من 29 يوليه 1937م إلى 26 يوليه 1952 م أي قرابة 15 عاما.ً

No comments:

Post a Comment

Powered by Blogger.

المشاركات الشائعة

التسميات